هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث بن مرة القرشي الزهري، كنيته أبو محمد، وكان يسمى في الجاهلية عبدَ عمرو،
أوعبد الكعبة فسماه الرسول عبد الرحمن، وُلد بعد عام الفيل بعشر سنوات، أسلم على يدي أبو بكر الصديق قبل دخول النبي إلى دار الأرقم، وكان من الثمانية السابقين للإسلام، هاجرَ للحبشة، والمدينة، وآخاه الرسول مع سعد بن الربيع، شهد كلَّ المشاهد مع الرسول،توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، وقيل إنّه عاش خمساً وسبعين سنةً.
صفات عبد الرّحمن بن عوف:
كانَ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طويلاً، أبيضَ الوجه، حسناً، وبه حُمرة، له نابان طويلان في الأعلى، وبه ضخامة في الكتفين، أعسرَ، وبه عرج، بسبب ما أصابه يومَ أحد، بما يُقارب من العشرين جرحاً، كان بعضها في قدمه، أمّا صفاته الخُلقية فهي كثيرة، وعظيمة، وتُختصر بالتالي: أحدُ العشرة المُبشرين بالجنة، ومن شهد بدراً، وبايع تحت الشجرة، فقد شهد له الرسول بالجنة. برُّه بأمهات المؤمنين، فقد ضرب في ذلك أروع الأمثال، حيث أوصى لهنّ بحديقة، كان ثمنها الكثير عندما تمّ بيعها. الخوفُ، والبكاء من الدنيا، ويُسرها له، فقد كان صاحبَ مال، فكان يخشى عجلة الأجر في الدنيا. التواضعُ، فقد كان لا يُعرف من بين خدمه، يحمل، ويسير مثلهم، ويأكل كما يأكلون. المهارةُ في التجارة، فهو صاحب حظ فيها، بيد أنّ عمله كان للعيش الكريم، وليس لجمع المال. الإنفاقُ في سبيل الله، فكان الكريم يُرزقه أضعافاً مُضاعفة، حيث كان يُقرض ثلثَ أهل المدينة، ويقضي دين الثلث، ويوصل ويُعطي الثلث. عزلُ نفسه عن الأمر وقتَ الشورى، عندما أشار أهل الحقّ به. الزهدُ في الإمارة، فقد أمر عثمان له بالإمارة من بعده، فتضرّع لله أن يُميته قبل عُثمان، فكان ذلك. المكانةُ العالية عند الصحابة رضوان الله عليهم.
فضائل عبد الرّحمن بن عوف:
وردت العديدُ من الأحاديث عن فضائل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يُذكر منها: صلاة الرسول خلفَه في الركعة الثانية من صلاة الفجر، وهذا فضلٌ عظيم لا يُجاريه فضل. إغلاظ خالد بن الوليد عليه في القول، فلمّا بلغ ذلك للرسول أنكره. أنّ الرسول قد غير اسمه من عبد عمرو إلى عبد الرحمن. دعاء النبي له أن يشربَ من سلسبيل الجنّة. إخبار النبي عنه بأنّه سيكون شهيداً. شهادة الرسول له بالجنّة.
جهاد عبد الرّحمن بن عوف:
شارك الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في الكثير من المعارك والغزوات في عهد النبوة وبعد وفاة النبي في عهد الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان إلى أن توفّاه الله، وكان من جهاده وغزواته ومواقفه فيها ما يلي: مشاركته في غَزوة بدرٍ الكُبرى: شارك عبد الرحمن بن عوف في معركة بدر الكبرى، فكان بدريّاً قتل من المشركين من قتل وأسر منهم من أسر، وكان يتعاقب هو وأبو بكر وعمر بن الخطاب على بعيرٍ واحدٍ بسبب قلّة البعير، فقد كان حالُهم حالَ جميع المشاركين في معركة بدر. مشاركته في غزوة أحد: كان عبد الرحمن بن عوف أحد المشاركين في غزوة أحد التي كانت في شهر شوّال من السنة الثالثة للهجرة، وقد برز خلالها عبد الرحمن وأبدى فيها شجاعةً منقطعة النظير؛ حيثُ استَقتَل في الدِّفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثَبَت كالجبال الراسية في مَوقِفٍ من أخطر المواقف التي تعرّض لها النبي صلى الله عليه وسلم، فأَدّى عبد الرحمن رضي الله عنه واجبه حق الأداء في الدِّفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم. مشاركته في الغزوات الأُخرى: شَهِد عبد الرحمن بن عوف جميع المَشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشارك في غزوة بني النَّضير، كما شارك في غزوة الخَندَق وغزوة بني المُصْطَلق، وغزوة بني قُرَيْظة، وغزوة ذي قَرَد، وكان قائداً لسَريّة دُومة الجَنْدَل التي حدثت في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة، وشَهِد غزوة الْحُدَيْبِية، كما كان أَحَد شُهود صُلح الحُدَيبِية المعقود بين المسلمين وقريش، وشارك في غزوة خَيْبَر، كما شارك في فتح مكة، وفي غزوة حُنَين، وغزوة تَبوك.جِهاده بالمال: مهما قيل في إنفاق عبد الرحمن بن عوف من أمواله على الجهاد فلن يوفّى حقه؛ حيثُ كان له السبق دائماً في هذا الباب، وممّا يُسجّل له في هذا الباب أنّه تَصدّق بشطر ماله في عَهْد رسول الله صلى الله عليه لتجهيز جيش المسلمين، وكان يبلغ شطر ماله حينها أربعة آلاف دِرهم، وقد تَصدّق بعد ذلك بأربعين ألف درهمٍ أخرى، ثم تَصدّق مرةً أخرى بأربعين ألف دينار في وقتٍ لاحق، ثم جهَّز خمسمئة فَرَس في سَبيل الله، ثم بعدها جهَّز خمسمئة راحِلة أخرى كذلك في سبيل الله.
وفاة عبد الرّحمن بن عوف:
في المرض الذي تُوفّي فيه عبد الرحمن بن عوف وقبل وفاته بكى رضي الله عنه بكاءً شديداً، فسأله من كان حوله عن سبب بكائه، فقال: (إنَّ مصعب بن عمير كان خيراً مني، تُوفّي على عهد رسول الله، ولم يكُنْ له ما يُكفَّنُ فيه، وإن حمزة بن عبدالمطلب كان خيرًا مني لم نجد له كفناً، وإنّي أخشى أن أكون ممن عُجِّلت له طيباته في حياته الدنيا، وأخشى أن أُحتبَس عن أصحابي بكثرة مالي)، فقد كان يخشى أن يكون ماله الذي آتاه الله له في الدنيا تعجيلاً في النعيم وسبباً يُبعده عن الخيرة من الصحابة. أما وقت وفاته (تأريخاً) فقد كان في العام الحادي والثلاثين من الهجرة النبوية، وقيل في الثانية والثلاثين، وكان عمره حين وفاته خمس وسبعين سنة، وقد توفِّي رضي الله عنه بالمدينة المنورة ودفن بالبقيع إلى جوار الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين، وصلّى عليه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان قد أوصى أهله بذلك.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق